ملا محمد مهدي النراقي

543

انيس المجتهدين في علم الأصول

وما يقتضيه النظر أنّ الأقيسة العقليّة تختلف كما تختلف الأقيسة الشرعيّة ، فيفيد بعضها اليقين بالمطلوب ، وبعضها الظنّ به . والتفصيل لا يخفى على من أحاط بمباحث القياس وشرائطه . ومنها « 1 » : أن لا يتناول دليله حكم الفرع ، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجّح ، كما إذا قيل : الذّرة ربويّة كالبرّ بجامع الطعم ، فيقال : قوله عليه السّلام : « لا تبيعوا الطعام بالطعام إلّا يدا بيد سواء بسواء » « 2 » يتناول ربويّة الذرة ، كما يتناول ربويّة البرّ ؛ لصدق الطعام عليها . واعلم أنّ العلّة إن كانت منصوصة ، فدليل الحكم في الأصل هو دليل العلّة أي النصّ . وقد تقدّم « 3 » اشتراط عدم تناول دليل العلّة بعمومه أو خصوصه لحكم الفرع ، مع ما فيه . وإن كانت مستنبطة ، فدليله غير دليلها ؛ لأنّه دليله حينئذ هو عموم النصّ أو خصوصه ، ودليلها أحد مسالك الاستنباط . والمراد من دليله هنا ما يعمّ دليله في المنصوصة والمستنبطة . هذا . والحقّ ، أنّ هذا الشرط غير لازم ؛ لما تقدّم « 4 » من جواز إثبات حكم واحد بأدلّة متعدّدة ؛ لتقوية الظنّ من تعاضدها ، وقد كثر ذلك في كتب الفقه « 5 » ، مع أنّه يجوز أن يكون دلالة الدليل على حكم الأصل الأقوى ، بأن يدلّ عليه بالمطابقة ، وعلى حكم الفرع بالتضمّن أو الالتزام . ومنها : أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس ، أي يكون بحيث يوجد مثل علّته في أصل آخر غير محلّه ، فلو علم انتفاء ذلك لم يصحّ القياس عليه ، ويقال له : إنّه معدول عن سنن القياس ، وهو إمّا أن لا يعقل معناه ، أو يعقل ولكن لا نظير له . والأوّل إمّا أن يكون مستثنى عن قاعدة كلّيّة مقرّرة ، كقبول شهادة خزيمة وحده ؛ فإنّه لا يعقل معناه وقد اخرج عن قاعدة الشهادة ، وعلم قطعا أنّه لم يخرج منها إلّا هذا الفرد ، بل قطع بثبوت حكم خلافه

--> ( 1 ) . أي شرائط حكم الأصل . ( 2 ) . ذكره النووي في المجموع 10 : 22 . ( 3 ) . تقدّم في ص 503 . ( 4 ) . راجع ص 536 . ( 5 ) . كشهادة خزيمة ، تقدير الركعات ، الحدود ، الكفّارات ، اليمين في القسامة وضرب الدية على العاقلة ، راجع جامع الأصول 10 : 195 ، و 1 : 77 .